الشيخ محمد علي طه الدرة

455

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

صلّى اللّه عليه وسلّم حجّة واحدة ، هي حجة الوداع ، واعتمر أربع عمر ، كلّها في ذي القعدة : عمرة الحديبية سنة ست ، وعمرة القضاء سنة سبع ، وعمرة الجعرّانة سنة ثمان ، وعمرته التي اعتمر بها مع الحجّ سنة عشر ، وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته ، ولكن قال لأم هانئ : « عمرة في رمضان تعدل حجة معي » . وسبب ذلك : أنها عزمت على الحج معه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطّهر ، وقال سعيد بن جبير - رحمه اللّه تعالى - : هو من خصائصها . هذا ؛ والحج فرض في العمر مرّة واحدة متّفق عليه ، وأما العمرة ؛ فقد اختلف فيها ، فقال جمع من الصحابة ، والتابعين : هي فرض مثل الحجّ : وهو قول الشافعيّ ، رحمه اللّه تعالى ، وأحمد ، رحمه اللّه تعالى ، وسئل زيد بن ثابت - رضي اللّه عنه - عن العمرة قبل الحجّ ، فقال : صلاتان ، لا يضرك بأيّهما بدأت . ذكره الدّارقطني . وروي مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ الحجّ والعمرة فريضتان ، لا يضرّك بأيهما بدأت » . وقال جمع من الصحابة ، والتابعين : هي سنّة ، وبه قال مالك ، وأبو حنيفة ، رحمهما اللّه تعالى ، وقالوا : معنى ( أتموا ) : إلزام الإتمام ؛ لو أحرم ، وشرع ، لا إلزام الابتداء . واللّه أعلم . هذا ؛ وقرأ الشعبي ، وأبو حيدة برفع تاء العمرة ، وهي تدلّ على عدم الوجوب ، وقرأ الجماعة بنصب التاء ، وهي تدل على الوجوب . فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ : منعتم من إتمامهما ، أو من أحدهما بعد الإحرام بها بسبب عدوّ ، أو مرض ، ونحو ذلك . والحصر : المنع ، والحبس ، وهو يحتمل أن يكون من الرّباعي : أحصر ، ومن الثلاثي : حصر . وقال أبو عبيدة ، والكسائي : أحصر بالمرض ، وحصر بالعدو . وفي المجمل لابن فارس على العكس : حصر بالمرض ، وأحصر بالعدو . وقالت طائفة : يقال : أحصر فيهما جميعا من الرّباعي ، حكاه أبو عمر ، والصحيح : أنهما يستعملان فيهما ، وهو ما قدّمته أولا . قال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى : الأكثر من أهل اللغة على أنّ حصر في العدو ، وأحصر في المرض . وأصل الكلمة من الحبس ، ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسرّه ، والحصير : الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب . والحصير : الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات القش إلى بعض . تنبيه : من أنواع الإحصار في هذه الأيام ما يطلب من دراهم زيادة على رسوم الحجّ المعتادة بمعنى : أنّ من طلب منه ذلك لا يجب عليك الحجّ ، ولا يكلّف المسلم أن يعطي للواسطة مبلغا من المال يشترطه عليه . فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ أي : إذا منعتم من إتمام الحج ، أو العمرة بمرض ، أو عدوّ ، وأردتم التحلّل ؛ فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة ، أو بقرة ، أو شاة . و الْهَدْيِ : هو ما يساق من النّعم ليذبحه المحرم بحجّ ، أو عمرة في الحرم ، فإن أحصر ؛ ذبح في موضع الإحصار . وهو